جسر – هبة شوباش
في بادرة إنسانية تعكس روح التضامن والانتماء، أطلق عدد من الأطباء السوريين المقيمين في ألمانيا حملة طبية تحمل اسم “شفاء”، تهدف إلى دعم القطاع الصحي المتأزم في سوريا. وتأتي هذه الخطوة كمحاولة حقيقية للمساهمة في تحسين الظروف الصحية وتقديم خدمات علاجية وجراحية مجانية للفئات الأكثر حاجة، في ظل التحديات المتراكمة التي يواجهها النظام الصحي في البلاد.
وتشهد الحملة مشاركة أكثر من مئة طبيب سوري من المغتربين في ألمانيا، حيث توجه هؤلاء الأطباء نحو تنفيذ سلسلة من العمليات الجراحية والاستشارات الطبية المجانية في عدة محافظات سورية، من بينها حمص، حماة، إدلب، حلب، دمشق، ودير الزور. وتشمل الحملة كذلك توزيع مستلزمات طبية وتنظيم ورشات تدريبية للكادر الطبي المحلي، مما يعزز من القدرات المهنية للمؤسسات الصحية في الداخل السوري.
وتتنوع التخصصات الطبية التي تشملها المبادرة، إذ يشارك أطباء في مجالات الجراحة العامة، الجراحة العصبية، الجراحة البولية، جراحة القلب، بالإضافة إلى جراحة الأنف والأذن والحنجرة، وغيرها من التخصصات الدقيقة. ويؤكد القائمون على الحملة أن الغاية الأساسية هي تقليص أعداد المرضى على قوائم الانتظار، حيث ارتفع عدد العمليات المطلوبة من 8,000 إلى أكثر من 12,000 حالة تنتظر التدخل الجراحي.
وفي هذا السياق، أشار الدكتور صادق الموصلي، عضو المكتب الطبي للتجمع السوري في ألمانيا، إلى أن حملة “شفاء” تُعد ثمرة تعاون بين عدة جمعيات طبية تعمل تحت مظلة المكتب، وهي تمثل بداية لسلسلة من المبادرات الطبية المستمرة.
وأكد أن “الهدف لا يقتصر على إجراء العمليات فحسب، بل يمتد ليشمل تقديم الدعم الطبي المستدام من خلال استشارات طبية وتدريب كوادر داخل سوريا”.
من جانبها، أبدت وزارة الصحة السورية تعاوناً ملحوظاً مع الحملة، حيث أكد وزير الصحة الدكتور مصعب العلي على انفتاح الوزارة على هذا النوع من المبادرات، سواء كانت من ألمانيا أو من دول أخرى، وأوضح أن “الوزارة قدمت التسهيلات اللوجستية اللازمة، ونسّقت مع مديري المشافي والأقسام المختصة لتجهيز قوائم المرضى، وضمان دراسة حالاتهم بدقة قبل إجراء العمليات”.
كما أشار الوزير إلى إصدار تراخيص مؤقتة لبعض الأطباء المغتربين لتسهيل عملهم بشكل قانوني داخل البلاد، بعيداً عن التعقيدات الروتينية.
وحول تقييم أثر هذه الحملة، يرى الدكتور عبد الرحمن بدران أن هناك مجموعة من المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس نجاح حملة “شفاء”. من أبرز هذه المؤشرات: عدد المستفيدين من الرعاية الطبية، ومدى تأثير الحملة على تحسين الظروف الصحية في المناطق المستهدفة، بالإضافة إلى آراء المرضى حول جودة الخدمات المقدمة. كما شدد على أهمية قياس التغطية الجغرافية ومتابعة التحسن الصحي العام بعد انتهاء الحملة، بما يعكس الأثر بعيد المدى لها.
وأكد بدران أن لحملات مثل “شفاء” آثاراً اجتماعية وإنسانية تتجاوز حدود الرعاية الصحية المباشرة، فهي تساهم في رفع مستوى الوعي الصحي، وتعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات الصحية، بالإضافة إلى تخفيف العبء المالي عن المرضى وأسرهم، وتحفيز العمل المجتمعي المشترك.
ومن المتوقع أن تُحدث حملة “شفاء” أثراً إيجابياً كبيراً في الصحة العامة، خاصة في المناطق التي تعاني من نقص حاد في الكوادر والتجهيزات الطبية، كما أن مشاركة الأطباء السوريين في أوروبا والمنظمات الإغاثية الدولية تعزز من جودة الخدمات، وتساهم في تخفيف الضغط عن المشافي المحلية وتحسين الظروف الصحية للمجتمع السوري.
في المحصلة، تمثل حملة “شفاء” نموذجاً مؤثراً للتكافل الإنساني، وتُظهر كيف يمكن للكفاءات السورية في الخارج أن تمد يد العون إلى الداخل، رغم المسافات والظروف، في مشهد يبعث الأمل ويؤكد أن العطاء لا تحدّه الحدود.